بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

السياسة النقديّة مستقرّة رغم الضغوط

الجمهورية | بروفسور جاسم عجاقة

على الرغم من الأزمات التي يمرّ فيها لبنان بشكل شبه يومي من تخبّط سياسي إلى فوضى إقتصادية ومالية مرورًا بأحداث قبرشمون، والعقوبات الأميركية الأخيرة، والموازنة، والتقارير الدوّلية، وصفقة القرن.. وغيرها، تبقى الليرة ملاذاً آمناً للمستثمرين بفضل السياسة النقدية التي أحكمتّ الدفاع عن العمّلة الوطنية.

أكثر ما يُخيف المواطن اللبناني هو الحديث عن تراجع الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي. وفي زمن وسائل التواصل الإجتماعي، تجتاح الإشاعات والأخبار المُضخّمة منازل اللبنانيين من باب الأجهزة الإلكترونية تُخبرهم أنّ الليرة ستنهار. وبما أنّ القسم الأكبر من الشعب اللبناني يتلقّى مدخوله بالليرة اللبنانية، لذا تُثير هذه الشائعات بلبلة تُسبّب بحدّ ذاتها ضغوطات على الليرة اللبنانية.

من بين هذه الإشاعات نورد على سبيل الذكر: إنهيار الليرة، وإقتطاع قسم من أموال المودعين… في الواقع لم نشهد في الإقتصادات الحرّة في العالم أجمع أنّ دوّلة قامت بوضع يدها على أموال المودعين بحكم أنّ الإقتصادات الحرّة مبنية على مبدأ «قدسية الملكية»، والذي هو أساس الإقتصاد الحرّ. حتى الأخبار التي تردّدت عن أنّ قبرص أو اليونان عمدت إلى إقتطاع نسبة من أموال المودعين هو خبر من خيال مُطلقه. فحاكم مصرف لبنان رياض سلامّة وعند تسلّمه سدّة الحاكمية، عمد إلى تنظيم القطاع المصرفي بشكل أن تكون الأولوية هي لحماية أموال المودعين في المصارف اللبنانية. وحتى في حال إفلاس مصرف من هذه المصارف (وهذا غير مُمكن نظرًا إلى نسبة السيولة الهائلة)، فإنّ أموال المودعين محفوظة ولا يُمكن المسّ بها.

أمّا على صعيد الليرة اللبنانية، فهي تتعرّض ومنذ سنين طويلة لإشاعات بأنّها ستنهار، وهذا ما لم يحصل. فسعر صرف الليرة يتعلّق بعوامل عدّة منها سياسية، أمنية، قانونية، إقتصادية ومالية.

لن نذكر العوامل السياسية، ولا الأمنية ولا القانونية في هذا المقال، بل سنكتفي بذكر العوامل التي لها علاقة بالسياسة المالية والسياسة النقدية (Longatte 2001). من هذه العوامل هناك الميزان التجاري، الماكينة الإقتصادية، عجز الموازنة، فرق نسبة التضخم بين الدولة صاحبة العملة والدولة صاحبة العملة المرجع، أسعار الفائدة، تدفقات رؤوس الأموال، الكتلة النقدية، والمُضاربة التي تؤثر على العرض والطلب.

غياب السياسة المالية في لبنان، والتي هي من مسؤولية الحكومة، يضغطّ سلبيًا على الليرة اللبنانية بشكل مستمرّ، وذلك من خلال عدّة عوامل مثل عجز الميزان التجاري، والذي يؤدّي إلى خروجّ كمّ هائل من العملة الصعبة من لبنان بحكم أنّ التجارة الدوّلية تتمّ بالعمّلة الصعبة. هذا العجز في الميزان التجاري، والذي هو نتاج غياب السياسات الإقتصادية التي تُحفّز الإقتصاد المُنتج، يؤدّي إلى ضرب الحساب الجاري والذي يُسجّل عجزًا يجعل الطلب على العمّلة الصعبة أكثر منه على الليرة اللبنانية. من جهة أخرى يأتي التضخّم الناتج من سلسلة الرتب والرواتب ومن أسعار النفط، ليُضعف من قيمة الليرة اللبنانية عملًا بنظرية «تعادل القوّة الشرائية» التي تنصّ على أنّ تصحيحاً في قيمة العملة المحليّة هو أمر ضروري لتفادي الـ Arbitrage. أمّا من ناحية عجز الموازنة، من المعروف أنه يزيد من طلب الدولة على الأموال في الأسواق، وبالتالي يحرم القطاع الخاص من الإستثمارات ويزيد الفائدة على الأمد البعيد، ما يعني إضعاف الإقتصاد الذي تنعكس قوته أو ضعفه في الليرة اللبنانية.

السياسة النقدية المُتبعة في لبنان منذ تبوّء رياض سلامة سدّة الحاكمية في مصرف لبنان هي سياسة الثبات النقدي، وتقوم على إستقرار في سعر صرف الليرة وسعر الفائدة على الأمد القصير. والجدير ذكره أنّ المصارف المركزية لها سلطة على سعر الفائدة على الأمد القصير، أما سعر الفائدة على الأمد الطويل فهو نتاج عجز الموازنة والدين العام.

مصرف لبنان يستخدم الأدوات التقليدية التي تنصّ عليها السياسات النقدية، أي تعديل سعر الفائدة والكتلة النقدية في السوق وإحتياط المصارف في مصرف لبنان (أو ما يُسمّى بالإحتياطي الإلزامي). إضافة إلى ذلك، يستخدم مصرف لبنان أدوات تُصنّف غير نقدية لكنها مالية بإمتياز، مثل السيولة والسياسة الإحترازية. وبما أنّ العجز في الموازنة العامّة في لبنان وصل إلى مُستويات أعلى بكثير من المستويات التي تنصّ عليها المعايير الدوّلية، ما يرفع من سعر الفائدة على الأمد البعيد ويُضعف الإقتصاد، عمد مصرف لبنان إلى استخدام أدوات غير تقليدية مثل الهندسات المالية التي أنقذت لبنان عدّة مرّات بإعتراف البنك الدولي وصندوق النقد الدوّلي.

في الواقع، تردّي الوضع الإقتصادي والمالية العامّة دفع بسلامة إلى العمل على تكوين إحتياط هائل من العملات الأجنبية سمح بالحفاظ على سعر صرف ليرة ثابت. وقد أثبتت التجارب أنّ هذا الثبات هو أمر حقيقي ومتين. ولعبت الهندسات المالية دورًا أساسيًا في تدعيم هذا الإحتياط إلى درجة تخطيه الناتج المحلّي الإجمالي، حتى أصبح معها سلامة رقماً صعباً في معادلة الاستقرار التي حكمت المشهد النقدي.

هل من خطر على الليرة اللبنانية حاليًا؟

ما يجب قوله هو أنّ السياسة المالية للدوّلة اللبنانية تؤثر سلبًا على الليرة اللبنانية وتزيد الضغوطات عليها خصوصًا عجز الموازنة وعجز الميزان التجاري. والأصعب في الأمر، أنّ الحكومة تقترح في مشروع موازنة العام 2019 تحميل مصرف لبنان كلفة قرض بقيمة 11 ألف مليار ليرة لبنانية بفائدة 1% في حين أنّ الفائدة الإسمية في السوق هي 13.5% ما يعني أنّ الكلفة تفوق الـ 900 مليون دولار أميركي. هذا الإقتراح الأخير أغضب صندوق النقد الدوّلي، والذي رأى فيه إجراءً غير مسؤول تجاه الثبات النقدي والمالي على حدٍ سواء.

في الجهة المقابلة، تأتي السياسة النقدية لتمتصّ الضغوطات التي تُشكّلها السياسة المالية على الليرة اللبنانية. بالطبع هذا الأمر له ثمن، وكما يُقال في عالم الإقتصاد والمال «لا شيء مجاني»، إلّا أنّ مصرف لبنان يمتلك القدّرة على تحمّل هذا الثمن. في المقابل يتوجّب على الحكومة القيام أيضًا بإجراءات تُساعد المصرف المركزي من ناحية عدم تحميله قروضاً بفوائد مُخفّضة، ولكن أيضًا وقف التخبّط السياسي ومنع الأحداث الأمنية مثل حادثة قبرشمون.

وباعتقادنا، وعلى الرغم من صعوبات المالية العامّة، إقرار الموازنة وتحرير قسم من أموال مؤتمر «سيدر» سيكون لهما وقع إيجابي على الليرة اللبنانية وعلى النمو الإقتصادي، الذي وبفضل دخول إستثمارات إلى لبنان سيرتفع بشكل ملحوظ وسيسمح للدوّلة بزيادة إيراداتها وتخفيف كلفة الدين العام عليها.

في الختام، تأتي المسؤولية الجماعية للشعب اللبناني لتقول بالصوت العالي إنّه يتوجّب علينا زيادة الثقة بعملتنا الوطنية وعدم التهافت لإستبدال الليرة بالدولار الأميركي (المُضاربة التي تؤثر على العرض والطلب) لأنّ الشعب اللبناني هو الوحيد القادر على ضرب الليرة إذا ما قرّر التخلّي عنها.

مصدر الجمهورية الجريدة

مقالات بحسب المواضيع

الإقتصاد اللبناني

المالية العامة

الفساد

السياسة النقدية

سلسلة الرتب والرواتب

لبنان على موعد مع تصنيف إئتماني جديد : ما تأثير الضرائب على المواطن؟

يُنتظر أن تصدر وكالة "ستاندرد أند بورز" تصنيفها الإئتماني للبنان في 23 آب الحالي. وهناك خشية من خفض التصنيف من درجة (-B) إلى (+CCC). فما هي المعايير التي تعتمدها وكالات التصنيف الدولية في توصيفها لواقع بلد ما؟ هل هي معايير اقتصادية ومالية أم سياسية أيضًا؟ وأيّ تداعيات لخفض التصنيف على الوضعين المالي والإقتصادي ؟
المزيد...

عجاقة لـ”مسقبل ويب”: تصنيف لبنان بـ “الملتزم” نتيجة تعاون…

لم تكن النتيجة التي حصل عليها لبنان بالأمس - صنف بالملتزم - من قبل المنتدى العالمي للشفافية وتبادل المعلومات لأغراض…

الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة: القطاع العقاري يعيش “أسود ايامه” والمشكلة الحقيقية…

موقع journalalire | نورا حمّصي الشباب اللبناني الباحث عن قرض يمتد إلى نحو 30 عاما بهدف تأمين مسكن، يعيش تخبطا…

“سوبر” مقرّرات و”بيكار” إقتصادي… هل يتحقّق التناغُم؟

تنشغل البلاد في رسم لوحات استنتاجات بعيدة المدى لـ”الجزء الثاني” من “يوم بعبدا الاستثنائي”، والمقصود به لقاء…

الدين العام

مصداقية الأرقام على المِحكّ والأسواق تُشكّك.. كيف تمّ خفض العجز إلى 6.59 بالمئة؟

أنها أقرب إلى قصّة خرافية منها إلى قصّة حقيقية، بلد يُعاني من عجز مزمن في موازنته العامّة وبظرف ثلاثة أشهر يتمّ خفض هذا العجز إلى ما يقارب النصف؟! الأسواق أعطت كلمتها ووكالات التصنيف الإئتماني أعطت أيضا كلمتها وحتى صندوق النقد الدولي أعطى كلمته والنتيجة واحدة: لن تستطيع الحكومة الإلتزام بعجز 7.59%. إذًا كيف يُمكن لها أن تلتزم بعجز 6.59؟
المزيد...

هل تُخفّض “موديز” تصنيف لبنان الإئتماني؟

تقرير موجّه إلى السياسيين في الدرجة الأولى، هكذا يُمكن تصنيف تقرير موديز الذي لم تتفاعل معه الأسواق المالية على…

دوّامة الدولار وارتفاع الأسعار

يوماً بعد يوم يتورّط لبنان في لعبة الدولار المسمومة. فانعدام النموّ الإقتصادي، والعجز الهائل في الميزان التجاري…

قطر مقابل موديز : نشتري سندات خزينة

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على شاشة الـ او تي في | قطر مقابل موديز : نشتري سندات خزينة | - تاريخ 30 حزيران 2019
المزيد...

محلل اقتصادي: تقرير “موديز” رسالة للطبقة السياسية اللبنانية

أعلنت مؤسسة الائتمان الدولية "موديز انفستورز سيرفيس" في تقرير لها عن أن تباطؤ التدفقات الرأسمالية على لبنان وتراجع…

تحذيرات “موديز” المتكررة وغواية أموال صفقة القرن

أطلقت وكالة "موديز" للتصنيف، مطلع العام 2019، نداءً تحذيرياً للطبقة السياسية اللبنانية، مفاده ضرورة إجراء إصلاحات…

الموازنة العامة

الكهرباء

النفايات

التهرب الضريبي

الإرهاب

الهجوم الإرهابي على القوى الأمنية يُثير المخاوف الاقتصادية والمطلوب ضبط الاوضاع…

الهجوم الإرهابي على القوى الأمنية يُثير المخاوف الاقتصادية والمطلوب ضبط الاوضاع الداخلية السماح للحكومة بالصرف على…

العقوبات الأميركية على حزب الله

إيران

الأزمة القطرية الخليجية

الإمارات ومصر والسعودية أمام موجة خسائر بسبب مقاطعة قطر

ستكون شركات إماراتية وسعودية، أمام موجة من الخسائر المالية التي ما يزال مبكراً تقدير حجمها، ناتجة عن مقاطعة دول…

خُبراء.. قطع العلاقات مع قطر خسارة للاقتصادات العربية

محمد إبراهيم أكد خبراء ومحللون اقتصاديون، تأثر الاقتصادات العربية بالخلاف الدبلوماسي الأخير، والذي أدى إلى قطع…

مقالات إستراتيجية

الموازنة العامّة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More