أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

الخليج يرفع النمو في لبنان إلى ٦٪

يشير البنك الدولي في تقرير جديد إلى أن تحاويل المُغتربين اللبنانيين هذا العام قد تصل إلى مستوى تاريخي مع أكثر من ٧.٦ مليار دولار أميركي. ما سيرفع مستوى النمو الاقتصادي. لكن ما هي نسبة النمو المتوقعة لهذا العام؟ وهل هو نمو طبيعي؟

النمو الإقتصادي في النظرية الإقتصادية هو الزيادة المئوية للناتج المحلّي الإجمالي نسبة إلى العام السابق. ونسبة نمو أعلى من الصفر تعني أن الإقتصاد يزداد حجماً، في حين أن العكس يعني أن الإقتصاد ينكمش. من هنا أهمية هذا المؤشر في السياسات الإقتصادية التي تردّ باجراءات معينة للحفاظ على نمو مقبول على كامل الدورة الإقتصادية. أرقام النمو الإقتصادي في لبنان غير دقيقة. والسبب يعود إلى غياب الاحصاءات الدقيقة التي تقيس النشاط الإقتصادي في القطاعات الإنتاجية. وبالتالي، فإن الإعتماد الأساس يبقى على الأرقام التي يُعطيها البنك الدولي. المُشكلة في أرقام البنك الدولي أنها أعلى من التقديرات التي تصدر سواء من صندوق النقد الدولي أم من الإدارة المركزية للإحصاء. وبالتالي، فإن الاعتماد على هذه الأرقام يأخذ أهميته من مُنطلق المقارنة النسبية بين عامٍ وأخر، بحكم المنهجية الدقيقة التي يتبعها البنك الدولي في حساباته والتي تجعل أرقامه ذات أهميّة. بلغ النمو الإقتصادي في لبنان في العام ٢٠١٥، وفق أرقام البنك الدولي، ١.٥١٪. وهذا الرقم عالٍ جداً بالنسبة إلى الأوضاع التي عاشها لبنان في العام ٢٠١٥ خصوصاً الحراك المدني وأزمة النفايات التي ضربت القطاع السياحي وعطلّت العديد من الشركات. لكن التبرير يأتي من التصحيح الذي قام به البنك الدولي على قيمة تحاويل المغتربين من ٧.١٦٣ مليار دولار أميركي إلى ٧.٤٨١ مليار دولار أميركي. وبالتالي، زاد الناتج المحلّي الإجمالي حكماً ومعه النمو الإقتصادي.

ومع التردّي السياسي الذي شهده لبنان في العام ٢٠١٦، يُراهن العديد من الخبراء على تراجع النمو (بغضّ النظر عن القيمة المُطلقة). لكن البنك الدولي فاجأ الإقتصاديين بإصداره تقريراً يُقدّر من خلاله تحاويل المغتربين اللبنانيين للعام ٢٠١٦ بـ٧.٦ مليار دولار أميركي، أي بزيادة ١١٩ مليون دولار نسبة إلى العام ٢٠١٥. وبالتالي، فإن النمو الذي سينتج عن هذه الزيادة هو بحدود ٠.٢٤٪. وبحساب بسيط إذا ما اعتبرنا أن النمو في العام ٢٠١٥ هو ١.٥١٪ وأن الإقتصاد إستمر على الوتيرة نفسها بين العامين ٢٠١٥ و٢٠١٦، فإن النمو في العام ٢٠١٦ سيبلغ ١.٧٥٪. وهذا ما صرّح به حاكم مصرف لبنان رياض سلامة خلال المؤتمر السنوي للمصارف العربية. بالطبع، الكلّ يعرف أن الاستهلاك في العام ٢٠١٦ تراجع بنسب كبيرة نتيجة عمليات الصرف التي قامت بها الشركات اللبنانية بحق العمّال اللبنانيين لمصلحة العمّال السوريين. فكانت النتيجة تراجع الاستهلاك بشكل ملحوظ، خصوصاً في أواسط العام ٢٠١٦. وبما أن الناتج المحلّي الإجمالي هو بعلاقة خطية مع الاستهلاك، فهذا يعني أن الناتج المحلّي الإجمالي تراجع ومعه النمو الإقتصادي. وبغضّ النظر عن قيمة التراجع في نسبة النمو الناتجة من تراجع الاستهلاك، يُمكن القول إنها لن تكون أكبر من قيمة النمو الناتج من إرتفاع تحاويل المُغتربين. وبالتالي، فإن النمو سيكون ما بين ١.٥ و٢٪.

هل هذا النمو طبيعي؟

الجواب ببساطة: لا! والسبب يعود إلى أن هذا النمو هو نمو شبه ريعي ولا يأتي من الماكينة الإنتاجية اللبنانية، أي نتيجة عمل المصانع والتجارة والوظائف التي تسمح بالإستفادة من الثروات المخلوقة. فعلى سبيل المثال، بلغت نسبة تحاويل المغتربين اللبنانيين في العام ٢٠١٥ نسبة إلى الناتج المحلّي الإجمالي ١٦٪. وهذا الأمر ليس صحياً. المطلوب من الدولة العمل على تفعيل الماكينة الإقتصادية وألا تتباهى بأن هناك نمواً إقتصادياً، لأن هذا النمو بقسم لا يُستهان به يأتي من تحاويل المُغتربين. حتى أنه يُمكن تشبه الوضع اللبناني كمن صدّر موارده البشرية إلى الخارج وأصبحت تعمل لحساب ماكينات إقتصادية أخرى، أي بمعنى أخر إنها موارد مؤجّرة. وللتذكير فإن الإقتصاد الريعي هو الذي تكون مداخيله من غير الماكينة الإقتصادية الوطينة. من هذا المنطلق، فإننا ندعو العهد الجديد إلى تحفيز النمو الإقتصادي، من خلال الاستثمارات التي تخلق نمواً إقتصادياً من الماكينة الإنتاجية الوطنية. ووفق النظرية الإقتصادية، لا نعرف أن إقتصاداً يمكن أن ينمو من دون إستثمارات. جذب الإستثمارات يتمّ من خلال الإصلاحات التي يتوجب القيام بها، إن على صعيد القوانين (تحفيزات ضريبية، الشراكة بين القطاع العام والخاص، الحكومة الإلكترونية) أو على صعيد الإصلاح الإداري (الحوكمة الرشيدة، مُحاربة الفساد..). ونرى أن إعادة العلاقات اللبنانية الخليجية إلى طبيعتها أمر ضروري لأن مخزون رأس المال المستثمر من الخليجيين قبل الحظر الذي فرضته دول الخليج في العام ٢٠١٣ كان يفوق الثلاثة مليارات دولار أميركي. هذا المبلغ وحده كاف لرفع النمو إلى ما يفوق ٦٪.
رابط المدن 

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More