أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

الخدمات المصرفية للأفراد، واقع لا يُلبّي الحاجات

في ظل الأوضاع الإقتصادية والمالية التي تعصف بلبنان، تبقى المصارف اللبنانية المُمول الأساسي للدولة ولعجزها. لكن ماذا عن الخدمات التي تُقدّمها هذه المصارف للأفراد؟ وهل ترتقي هذه الخدمات إلى مستوى تُلبّي فيه حاجات المواطنين؟   المصارف هي عبارة عن وسيط مالي لها حصرية تلقي الودائع وإعطاء القروض في آن واحد. وبسبب الوزن الكبير الذي تتمتع به المصارف في الإقتصاد الوطني، فهي من أكثر القطاعات المُنظمة والخاضعة للراقبة حيث أن أي إهتزاز في أحد المصارف قد يكون له تأثير سيسمي (Systemic)  على الإقتصاد ككل. من هذا المُنطلق، تعمد المصارف المركزية إلى عدد من الإجراءات التي تذهب بإتجاه السياسات الحذرة (الإحتياطي الإلزامي، الحد الأدنى لرأس المال، الهوامش…) لمراقبة نشاطات هذه المصارف وقياس مدى إلتزامها بالقوانين المرعية الإجراء والتعاميم. وينص مبدأ الصيرفة الاحتياطية الجزئية على أن تحتفظ المصارف بأصول سائلة (Liquid Assets) بقيمة تساوي جزء من التزاماتها الحالية. أما إتفاق بازل فينص على أن يكون رأسمال المصرف أكبر من عتبة معينة تُحدد بحسب نوع وقيمة النشاطات التي يقوم بها المصرف وذلك بهدف ضمان السيولة.الخدمات المصرفية للأفراد هي مجموعة الخدمات التي تُقدّمها المصارف إلى الأفراد. وتشملّ هذه الخدمات الودائع، القروض، وسائل الدفع، البطاقات الإئتمانية، وبطاقات الصرف… وإذا كانت المصارف تحتكر قانونياً حق تلقّي الودائع وإعطاء القروض في آن واحد، إلا إنتشار فروعها في كل المناطق يجعل منها مراكز بيع أساسية لكل الخدمات المالية حتى تلك التي لا يُقدمها المصرف كالتأمين. وهذا الأمر له أهمية كبيرة من ناحية تعظيم الإستفادة من الأموال الموجودة في الدائرة المالية إن للإقتصاد أو للفرد. التخصص…القانون يمنع على المصارف إستثمار أموالها في نشاطات إقتصادية بعيدة عن نشاطها المالي، وبالتالي لايحق للمصارف مثلاً إمتلاك سوبرماركت أو عقارات (بإستثناء المركز الذي تشغله). وقامت العديد من المصارف في لبنان بإنشاء شركات تابعة للمجموعة مثل شركات تأمين ومصارف إستثمارية (فصل النشاطات Glass–Steagall Act) لتلبية الطلب في السوق على بعض الخدمات. وأصبحت هذه المصارف، تُلزم بشكل فعلي الزبائن شراء خدمات الشركات التابعة لها دون ترك الخيار للعميل تحت طائلة رفع العمولات على المعاملات. وهذا الأمر بالطبع يجعل التعاون بين المصارف يقتصرّ على القروض في ما بينها في السوق النقدي المصرفي.المُشكلة التي تظهر من هذا الواقع هي مشكلة التخصص. فبدل الإستفادة من القيمة المُضافة التي تُقدّمها شركة مالية مثلاً لها تاريخ في إدارة الأموال، يعمد المصرف إلى إدارة الأموال عبر الشركة التي أنشأها والتي لا تمتلك بالضرورة الخبرة في إدارة الأصول والأسواق المالية. كما أن خلق شركات تأمين برأسمال صغير وكثرة هذه الشركات يجعل قطاع التأمين هشاً في مواجهة الأحداث، من هنا نرى أن شركات التأمين تلتجئ في معظم الأحيان إلى عيوب في تطبيق عقد التأمين من قبل الفرد لتفادي دفع المُستحقات.  غياب النصائح للزبائن…تفتقد المصارف إلى خدمة أساسية للزبائن، ألا وهي النصيحة. فالنصيحة هي واجب في كل المهن التي فيها خدمات وينص عليها القانون (محاكم التمييز) وهناك إلزامية على المصارف بتقديم هذا النوع من الخدمات. فمثلاً نرى في البلدان الغربية أن كل فرد يفتح حساب في مصرف غربي، يتمّ تعيين موظف مسؤول عن هذا الحساب ويعمد هذا الأخير إلى الإتصال بصاحب الحساب بشكل دوري لمساعدته على إدارة حسابه بما يخدم مصلحة العميل بالدرجة الأولى ومصلحة المصرف بالدرجة الثانية. والملاحظ في لبنان، أن المصارف لا تهتم إلا بالزبائن التي تمتلك أرصدة كبيرة ونصائحها لهؤلاء الزبائن ترتكز بالدرجة الأولى على بيع خدمات المصرف في حين أن النصيحة الموضوعية تؤدي بشكل تلقائي لشراء خدمات المصرف.إن القطاع المصرفي اللبناني هو من أكثر القطاعات فعالية في لبنان ومن أكثرها كفاءة في إقليمياً. من هذا المُنطلق، يتوجب عليه العمل على إعلاء مستوى الخدمات إلى درجة تُضاهي الخدمات المصرفية في الغرب وما النصائح الموضوعية للزبائن إلا مؤشر على إرتقاء هذه الخدمات إلى المُستوى المطلوب. إعادة النظر في سياسة القروض…إن المصارف هي شركات تبغى الربح وهذا الأمر طبيعي. ونموذج عملها منبي على العمولات على العمليات المصرفية ما يعني أن العمولات تُحدّد بنسب على حجم العمليات أو بقيمة ثابتة على العملية. من هذا المُنطلق، نرى أن من مصلحة المصرف زيادة العمليات المصرفية للزبائن ما يعني أن الأرباح تزيد.وقد كان للقروض التي تُقدمها المصارف للزبائن دور كبير في نمو الإستهلاك في لبنان في العقد الأخير. وتمّ رفع القروض الإستهلاكية للأفراد حتى تخطّت عشرات المليارات من الدولارات الأميركية ما دفع مصرف لبنان وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمرّ بها لبنان إلى لجم شهية القطاع الخاص للقروض وذلك عبر فرض تأمين 25% من قيمة السلعة المنوي شراءها على المُقترض. وتمّ دعم هذا القرار من قبل جمعية المصارف التي رفعت الفائدة على التسليفات  في شهر شباط الماضي.نعم إن سياسة قروض إستهلاكية مُتشددة في ظل مديونية فردية عالية هي أمر طبيعي وكان على المصارف القيام بهذا الأمر منذ بدء التراجع في النمو بُعيد بدء الأزمة السورية. لكن ما لا يُمكن فهمه هو السياسة المُتشددة في القروض الإستثمارية والتي هي من واجب المصارف، الداعم الأول للإقتصاد. فالقيّمين على القطاع يتحججون بنسبة المخاطر العالية القابعة وراء هذه القروض والأوضاع الأمنية والسياسية غير الثابتة. وإذا كان هذا الأمر حق، إلا أن عدم تمويل الإستثمار يُبرز إلى العلن مُشكلة تمويل السيولة العالية لهذه المصارف خصوصاً أنها لم تعد تجد من أبواب إستثمار إلا في سندات الخزينة.لذا يتوجب على جمعية المصارف بالتعاون مع مصرف لبنان العمل على تحديد قمية قروض إستثمارية للقطاع الخاص غير مشروطة بضمانات مالية ومادية عالية بل بجدية المشاريع المُقدّمة على أن تقوم جمعية المصارف بتحديد نسبة المخاطر القادرة على تحمّلها. في الختام لا يسعنا القول إلا أن القطاع المصرفي هو المُمول الأساسي والوحيد للإقتصاد اللبناني في غياب سوق مالية فعالة. لذا فإنه ومع فشل السياسة في تحفيز النمو الاقتصادي تبقى الأمال مُعلّقة على كفاءة ومهنية القييمين على القطاع المصرفي اللبناني.    

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More