بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

ارتفاع أسعار المشتقات النفطية..الدولة مسؤولة أيضاً

عجاقة: سوق النفط متوازن وحساس جداً، وأي خلل في العرض والطلب يرفع تلقائياً الأسعار

جرت العادة أن تصدر وزارة الطاقة جدول أسعار المشتقات النفطية صباح الأربعاء من كل أسبوع. كُثر يترقبون ما يُسمونه بـ”بورصة الأربعاء” النفطية لمراقبة الأسهم الحمراء والخضراء. نظرة سريعة الى جداول الأسعار للأشهر الماضية، تبيّن لنا أنّه ومنذ 23 كانون الثاني/ يناير 2019 حتى تاريخه، أي منذ ثلاثة أشهر، تصدّرت الأسهم الحمراء الدالة على الارتفاع خانة البنزين بنوعيه 95 و98 أوكتان، بزيادة وصلت حد الـ500 ليرة على الصفيحة في بعض الأسابيع. تماماً كما كان للمازوت نصيب من هذا الارتفاع. وبطبيعة الحال، عندما نتحدّث عن المشتقات النفطية فإننا نتحدّث عن مادة أساسية وأساسية جداً في الحياة اليومية. وربّ مواطن يسأل على أي أساس تصدر أسعار المحروقات أسبوعياً؟.

موقع العهد | فاطمة سلامة

يُشير مستشار نقابة أصحاب محطات المحروقات فادي أبو شقرا الى أنّ سعر صفيحة البنزين ارتفع منذ بداية العام حتى اليوم أكثر من أربعة آلاف ليرة؛ إذ كان سعر البنزين 95 أوكتان 21,900 منذ 13 أسبوعا بات اليوم 26,300 ، والـ98 أوكتان سجّل في حينه 22,500، بات اليوم 27 الف ل.ل. يوضح أبو شقرا بدايةً أنّ أسعار المشتقات النفطية يجري احتسابها في لبنان حسب نشرة “بلاتس” العالمية، فإذا كانت الأسعار مرتفعة تسعّر وزارة الطاقة المشتقات النفطية للأربعة أسابيع المقبلة، وإذا كانت الأسعار منخفضة، تعمد الوزارة الى التسعير بناء على الأربع أسابيعة المنصرمة. وهنا يلفت أبو شقرا الى أنّ برميل النفط قفز من الخمسين دولاراً الى 74 دولاراً في الأشهر الماضية.

يُفصّل المتحدّث التركيبة التي يقوم عليها جدول الأسعار والتي تتلخّص بالآتي:

ـ ثمن البضاعة
ـ تكلفة نقل البضاعة من بلد المنشأ الى لبنان
ـ تكلفة تأمين البواخر
ـ ضريبة تتقاضاها الدولة تقدّر بنحو 9 آلاف ليرة لكل صفيحة
ـ 300 ليرة كلفة نقل عن كل صفيحة من المنشآت للمحطات
ـ 1600 ليرة جعالة لصاحب المحطة عن كل صفيحة بنزين، و500 ليرة عن كل صفيحة مازوت

ويتوقّع أبو شقرا أن نشهد ارتفاعاً في الأسعار أقله خلال الأسبوعين المقبلين. ارتفاع يتأرجح بين الـ400 والـ500 ل.ل للصفيحة. وقبل أن يختم حديثه يسارع الى التحذير من زيادة أي ضريبة على البنزين من قبل الدولة، لأنّ هذا الأمر سيؤدي حكماً الى مشكلة كبيرة جداً في البلد.

ورُبّ سؤال يطرح نفسه: هل تتحمّل الدولة جزءاً من المسؤولية حيال ارتفاع الأسعار أم أن القضية عالمية بحتة؟.

عجاقة.. والدولة مسؤولة أيضاً

لا يُخفي الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة أنّ المشكلة الأساسية تكمن في الأسعار العالمية والصراعات على النفط. وفق حساباته، فإنّ سوق النفط متوازن وحساس جداً، وأي خلل في العرض والطلب يرفع تلقائياً الأسعار. الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومنذ انسحابه من الاتفاق النووي الايراني وضع نصب عينيه تخفيض الصادرات النفطية الايرانية الى الصفر، ويعمل على الدوام لتحقيق هذا الهدف، إلا أنّه لم يستطيع إذ لا بديل عن المشتقات النفطية الايرانية. يوضح عجاقة أنّ نقص حوالى 200 أو 300 الف برميل في اليوم سيرفع تلقائياً سعر البرميل الى 80 دولاراً على أقل تقدير.

إلا أنّ عجاقة الذي يُرجع ارتفاع الأسعار في الدرجة الأولى الى حركة السوق العالمي، ومؤشر “فلاتس”، يُشدّد على أنّ الدولة اللبنانية تتحمّل جزءاً من المسؤولية إزاء حركة الأسعار الصاعدة. كيف ذلك؟. ينطلق عجاقة من “فلسفة” الاقتصاد الحر التي يقوم عليها لبنان، والتي تحتاج الى الكثير من المقومات على رأسها المنافسة. الأخيرة تغيب عندما نتحدّث عن سوق المشتقات النفطية، فلبنان الذي يستورد النفط عبر القطاع الخاص، تتحكّم فيه 9 شركات فقط، ما يجعل فرصة الاحتكار كبيرة، خصوصاً عندما نتحدّث عن هذا الرقم المنوط به تزويد لبنان من أقصاه الى أقصاه بالمشتقات النفطية. لماذا هذا العدد فقط؟!.

يوضح عجاقة أنّ الدولة اللبنانية تضع شروطاً صعبة جداً على كل جهة تريد استيراد النفط. على رأس تلك الشروط أن تمتلك الجهة رخصة وهذا الأمر لا يبدو سهلاً مطلقاً ـ من وجهة نظر المتحدث ـ الذي يشير الى أن الرخصة لا تعطى سوى لشخص يمتلك ميناء على الشاطئ اللبناني، ومن يستطيع أن يمتلك ميناء؟! يسأل عجاقة الذي يؤكّد أنّ هذه الشروط تزيد  من فرص الاحتكار، ما يؤدي الى رفع الأسعار في السوق على قاعدة “كلما قلّ عدد الشركات التي تُعنى بسلعة معينة كلما ارتفعت الأسعار”. من هذا المنطلق فإنّ الدخول الى سوق استيراد النفط وخصوصاً البنزين ليس بالأمر السهل ما يجعل الأسعار أكثر عرضة للارتفاع، فعندما تضع وزارة الطاقة الجدول بأسعار مرتفعة، باستطاعة الشركات ضخ كميات أكثر في الأسواق وبالتالي جني أرباح أوسع ما يزيد جعالتهم.

يُشدّد الخبير الاقتصادي على أنّ تركيبة السوق اللبناني مسؤولة بشكل كبير عن الأسعار. برأيه، لو الدولة استوردت رسمياً لخفّت الكلفة على المواطن، وعلى الخزينة أي بمعنى آخر لانخفضت الفاتورة الحرارية. إلا أنّ هذا الأمر يبدو غير وارد، وبالتالي فمن الأفضل أن يكون هناك قطاع خاص في ظل منافسة كبيرة وهذا لا يتحقق إذا لم تسارع الدولة الى إيجاد حلول للشروط الصعبة لتوسيع مروحة الاستيراد، وذلك إما عبر تأمين الميناء من قبل الدولة أو عبر فتح خيار الاستئجار، سعياً وراء زيادة عدد الشركات، فالمشتقات النفطية تشكل عصب الاقتصاد، وكلما قللنا الكلفة كلما عززنا الاقتصاد أكثر فأكثر، يختم عجاقة.

مصدر موقع العهد

مقالات بحسب المواضيع

الإقتصاد اللبناني

المالية العامة

الفساد

السياسة النقدية

سلسلة الرتب والرواتب

الموازنة تُهدّد الحكومة… وسيناريو التعطيل مُكلِف

تكاثرت التسميات بين موازنة إصلاحية، تقشفية، تصحيحية... والنتيجة واحدة، موازنة من دون هوية. والسبب يعود إلى الصراعات السياسية التي تُطيح فرصة الإستفادة من الظروف والوقت لإخراج موازنة تكون على مستوى التحدّيات. سيناريوهات عديدة أمام الحكومة واسوأها تعطيلها. فما هي هذه السيناريوهات وما هي التداعيات الاقتصادية؟
المزيد...

أزمة محروقات مُفتعلة؟

إصطف بعد ظهر اليوم، العديد من المواطنين أمام محطات الوقود، في مختلف المناطق اللّبنانيّة، خوفاً من أزمة وقود،…

هكذا رُحلت الموازنة غير “الوازنة”

يوم بعد آخر تُرحّل النقاشات "الموازناتية "من جلسة إلى أُخرى، لتصبح "البنود" المطروحة على طاولة البحث أشبه بـ شبكات…

حسابات سياسية تُعرّقل طريق الموازنة وإحتمال حدوث سيناريو السلسلة مُرتفع

عقد مجلس الوزراء جلسة البارحة كان من المفروض أنها الجلسة الختامية في سلسلة إجتماعات مُخصّصة لدرس مشروع موازنة العام…

لا توظيف في الدولة والبطالة تتفشى.. ما هي البدائل؟

لا جدال في أن وقف التوظيف في القطاع العام بات ضرورياً، كخطوة أساسية من خطوات وقف استنزاف القطاع العام وخزينة…

الدين العام

«المركزي» دعَمَ الخزينة بـ 2.8 مليار دولار في 2018

هل يُساهم مصرف لبنان في دعم خزينة الدولة؟ سؤال مشروع مع تواتر الشائعات عن عدم مساهمة المصرف المركزي في دعم مالية الدولة. في الواقع تُشير الأرقام إلى أنّ كلفة مصرف لبنان جرّاء دعم خزينة الدوّلة بشقّيه التسهيلات والقروض بلغت 2.8 مليار دولار أميركي في العام 2018.
المزيد...

هكذا يتحول العجز إلى دين…وهذا هو الحل

أكد الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجّاقة في حديث لصحيفة الشرق الاوسط، أن "مؤتمر (سيدر) فرض على لبنان إجراءات تتطابق…

مصرف لبنان يوفر على الدوّلة أقلّه ملياران ونصف مليار دولار أميركي

تتمّ مداولة العديد من المغالطات عن مدى مساهمة مصرف لبنان في خزينة الدوّلة والتي تُروّج لفكرة أن مصرف لبنان لا يقوم…

الحكومة مُحاصرة برباعية المجتمع الدولي ــ الشارع ــ عجز الموازنة والوقت

الديار | بروفسور جاسم عجاقة نقاشات حادّة طغت على الجلسات الأولى لمجلس الوزراء لبحث الموازنة وكادت تُطيح بها وبجلسات المجلس. وعلى الرغم من تدخّل الرئيس الحريري لتهدئة الأجواء وإرساء جو من النقاش البنّاء إلا أن المعلومات تُشير إلى أن أجواء الجلّسات بقيت محقونة تحت تأثير أربعة عوامل: أولا ـ المجتمع الدولي الذي ما يزال غير راض عن الإجراءات المُقترحة…
المزيد...

بروفسور جاسم عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على قناة ليبانون فايلز ضمن برنامج مرتجل مفيد - عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا -…

مُعالجة الموازنة من وجهة نظر ماليّة لن تكفي والمطلوب مُعالجة إقتصاديّة إصلاحيّة

أسبوع مرّ على خطاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وحتى الساعة لم يتمّ طرح الموازنة على طاولة مجلس الوزراء، مع…

الموازنة العامة

الكهرباء

النفايات

التهرب الضريبي

الإرهاب

لبنان يكافح شبكة تمويل داعش

نهاد طوباليان داهم الأمن العام في لبنان خلال عمليات نفذت مؤخرا في بيروت مؤسسات صيرفة وشركات مالية بعد الإشتباه…

العقوبات الأميركية على حزب الله

إيران

الأزمة القطرية الخليجية

الإمارات ومصر والسعودية أمام موجة خسائر بسبب مقاطعة قطر

ستكون شركات إماراتية وسعودية، أمام موجة من الخسائر المالية التي ما يزال مبكراً تقدير حجمها، ناتجة عن مقاطعة دول…

خُبراء.. قطع العلاقات مع قطر خسارة للاقتصادات العربية

محمد إبراهيم أكد خبراء ومحللون اقتصاديون، تأثر الاقتصادات العربية بالخلاف الدبلوماسي الأخير، والذي أدى إلى قطع…

مقالات إستراتيجية

الموازنة العامّة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More