أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

أسعار النفط لن ترتفع في المدى المنظور

عادت أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع حيث تخطّى سعر البرميل الأربعين دولاراً أميركياً. هذا الأمر الذي يُفرح الدول المُنتجة للنفط، يُقلق اللبنانيين من ناحية ارتفاع الأسعار وزيادة التحاويل إلى مؤسسة كهرباء لبنان. فما هي أسباب هذا الارتفاع؟ وهل سيستمر؟ يبقى المعروض في السوق النفطي عالياً جداً نسبة للطلب العالمي، وما الأسعار التي سجّلها برميل النفط في الأسواق المالية، والتي انخفضت إلى ما دون الثلاثين دولاراً للبرميل الواحد، سوى انعكاس لهذا الواقع. وجاء النفط الصخري ليزيد الضغط على أسعار النفط حيث أنّ الإنتاج الأميركي منه فاقَ كل التوقعات، خصوصاً توقعات دول الأوبك، والتي، وباعتراف رسمي، تجهل حتى اللحظة كلفة استخراج النفط الصخري والتقنيات المُستخدمة. هذا الأمر بالطبع دفعَ ببعض الدول إلى المغامرة في الإبقاء على معدّل إنتاج عالٍ، مع العلم أنّ الطلب العالمي تراجَع بشكل ملحوظ. لكنّ الخسائر التي سجّلتها الدول المُنتجة للنفط، خصوصاً العجز في موازناتها والمشاريع العديدة التي توقفت جرّاء هذا الإنخفاض في أسعار النفط، دفعها في المرحلة الأولى إلى الاتفاق على المحافظة على مستوى إنتاج الأوّل من كانون الثاني لهذا العام وإذا كان هذا الإجراء بداية جيدة، إلّا أنه لم يكن كافياً لِلَجم هبوط أسعار النفط. لذا، جاء الإعلان المُفاجئ بأنّ المملكة العربية السعودية وبعض الدول الخليجية ستعمد إلى خفض إنتاجها حتى ولَو لم تتعاون إيران. هذا الأمر دفع الأسواق إلى تناسي الفائض في المخزون الأميركي، وقام المُستثمرون في الأسواق بالمضاربة مع رهان على ارتفاع الأسعار، ما دفعَ الأسعار صعوداً تحت تأثير الحجم الهائل من العقود التي تمّ تداولها. أمّا روسيا فلم تُعلن عن نيّتها خفض إنتاجها على الرغم من الخسائر الهائلة التي تتكبّدها جرّاء أسعار النفط المُنخفضة. والجدير بالذكر أنّ روسيا ودول الأوبك لم تفلح في العامين المُنصرمين في لجم الإنتاج، ولم تنجح المفاوضات الكثيرة التي تمّت بين الفريقين في تحقيق التوازن بين العرض والطلب. أمّا الأرقام الآتية من الولايات المُتحدة الأميركية، فتُظهر تراجعاً في الإنتاج الأميركي حيث وصل الإنتاج في آخر أسبوع من شباط 2016 إلى 9,07 ملايين برميل في النهار مُقارنة بـ 9,7 ملايين برميل في شهر نيسان 2015.
ويبقى السؤال عن مدى حجم الخفض في الإنتاج الذي أُعلن عنه، مع العلم أنّ الفائض في السوق اليوم يفوق الـ 3 ملايين برميل يومياً؟ بالطبع إنّ خفض الإنتاج بهذا الكمّ شِبه مُستحيل، خصوصاً أنّ الإعلان عن خفض الإنتاج أتى من المملكة العربية السعودية ودول الخليج (باستثناء إيران). فخَفضُ إنتاج المملكة والدول الخليجية لإنتاجها بهذا الكمّ سيكون له تداعيات سلبية على حصتها في الأسواق، وسيزيد من حصة الدول الأخرى وعلى رأسها إيران وروسيا. كما أنّ ارتفاع الأسعار سيعود بالفائدة على الدول التي تكون قد حافظت على المستوى نفسه من الإنتاج. من هذا المنطلق نرى أنّ هذا الإعلان أعطى مفعوله آنيّاً في الأسواق، وباعتقادنا ستُعاود الأسعار انخفاضها في الأسابيع المُقبلة وذلك في ظلّ تراجع الطلب العالمي عليها، خصوصاً من قبل الصين والهند، وهما بلدان يستهلكان النفط بكثرة. ويجب القول أيضاً إنّ روسيا، وعلى الرغم من عدم توافقها مع مُنظمة الأوبك على خفض الإنتاج، ترى نفسها اليوم أكثر انفتاحاً خصوصاً أنّ الإحتياطي الروسي من العملات الأجنبية تراجعَ بشكل كبير نتيجة العقوبات عليها وانخفاض أسعار النفط وكلفة الحرب في سوريا. وقد تكون هذه الحسابات هي السبب الأول الذي دفع الروس إلى الإسراع في الخروج من سوريا. وكنتيجة لارتفاع أسعار النفط، إرتفع سعر صرف الروبل الروسي أكثر من 4%، ما يعني أنّ روسيا قد تكون أكثر استعداداً من قبل للبحث مع دول الأوبك في تخفيض إنتاجها من النفط خلال الإجتماع المنوي عقده في الدوحة في نيسان المقبل، والذي سيضمّ كل الدول المُنتجة للنفط.من جهة أخرى تُظهر التحاليل أنّ ارتفاع سعر برميل النفط لا يعود فقط إلى الإعلان الخليجي، بل يتعلق أيضاً بتراجع الدولار الأميركي الذي بلغ مستويات عالية في تشرين الثاني 2015. وتُظهر البيانات التاريخية أنّ الترابط بين مؤشر الدولار الأميركي (DXY) وسعر برميل النفط هو ترابط شِبه ميكانيكي، من ناحية أنّ كلّ ارتفاع للدولار يواكِبه انخفاض في سعر برميل النفط، والعكس بالعكس. وهذا الأمر يُمكن تفسيره بالمنطق من خلال التالي: بما أنّ برميل النفط مُقوّم بالدولار الأميركي، فإنّ كلّ انخفاض في سعر صرف هذا الأخير مقابل سَلّة من العملات الأجنبية يواكبه ارتفاع في سعر برميل النفط بحُكم أنّ المنتِج يطلب سعراً أعلى لتغطية الخسارة المُترتبة على انخفاض سعر صرف الدولار. أمّا في لبنان فقد لاحظ المواطن انعكاسات ارتفاع أسعار النفط عبر الزيادة التي أضيفت الى سعر صفيحة البنزين، والتي بلغت الـ 500 ليرة لبنانية لكلّ صفيحة. ويتخوّف المواطن اللبناني من عودة ارتفاع الأسعار، خصوصاً أنّ هذه الأخيرة لم تنخفض حين انخفضت أسعار النفط في الفترة السابقة باستثناء أسعار المُشتقات النفطية. وهذا يطرح السؤال بالطبع عن قدرة الدولة اللبنانية على مراقبة التجّار ومعرفة أسباب هذه الزيادة المُحتملة. لكنّ الأهم في الأمر أنّ خزينة الدولة اللبنانية، والتي استطاعت توفير ما يقارب المليار دولار أميركي من تحاويلها إلى مؤسسة كهرباء لبنان، سجّلت زيادة في عجز موازنتها بلغ 28,6%، حيث وصل هذا العجز بحسب أرقام وزارة المال إلى 3,95 مليارات دولار أميركي في العام 2015. وهنا يُطرح السؤال عن الزيادة في العجز في حال ارتفعت أسعار النفط من جديد؟ بالطبع هذا الأمر سيرفع العجز بنفس قيمة الزيادة في التحاويل إضافة إلى الفوائد! إنّ التحاليل الماكرو-إقتصادية تُظهر أنّ سعر برميل النفط الطبيعي (آخذين بعين الاعتبار العوامل الإقتصادية) من دون انحياز في السوق نتيجة العوامل الجيوسياسية والعسكرية، هو 50 دولاراً أميركياً للبرميل الواحد. وكلّ ابتعاد عن هذا المُستوى هو ابتعاد آنيّ لأنّ ديناميكية أسعار النفط تخضع لقوانين إحصائية (Mean reverting process). وبالتالي، لن تستطيع هذه الأسعار البقاء طويلاً في الهوامش البعيدة. لذا، على الدولة اللبنانية أخذ سعر 50 دولاراً أميركياً في توقعاتها الماكرو – إقتصادية خلال تحضير مشروع الموازنة، آملين أن يتمّ إقراره في مجلس النواب في القريب العاجل.

رابط الجمهورية

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More